الإسلام:
نقرأ قوله تعالى:
{أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون} آل عمران: 83.
{إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات} الأحزاب: 35.
{وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} يونس: 90.
{إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين} النمل: 91.
{فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} الذاريات 36: 35.
{وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} يونس: 84.
{قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} النمل: 44.
{.. قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون} آل عمران: 52.
{فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين} يوسف: 101.
{قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلها واحدا ونحن له مسلمون} البقرة 133.
ونلاحظ في الآيات أعلاه أمرين:
الأول أن نوحا وإبراهيم ويعقوب وإسماعيل وإسحق ويوسف وموسى وعيسى وسليمان كانوا مسلمين جميعا.
والثاني أن الإسلام يرتبط بالله وحده فقط. ونفهم أن الإسلام يقوم على مسلمة الإيمان بالله ووحدانيته وباليوم الآخر.
والمسلمة هي الأمر الذي لا يمكن البرهان عليه ولا يمكن دحضه علميا، ففي مسلمة الإيمان بالله واليوم الآخر يتساوى الراسخون بالعلم وعامة الناس، ثم ننطلق من هذا الفهم لنفهم أمرين آخرين:
1- إن الإسلام دين كوني، لا يقتصر على أهل الأرض فقط، بدليل قوله تعالى: {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها}، وهذا يعني أنه إذا كانت هناك مخلوقات عاقلة في مجرة من مجرات هذا الكون، فالتنزيل الحكيم يقول أنها سمعت بالله الواحد وأسلمت له طوعا من باب الألوهية وكرها من باب الربوبية، وأن الدين عندها هو الإسلام بمفهوم وجود الله وواحديته، وهو أمر في غاية المنطقية، لأن الله سبحانه وتعالى ربنا ورب السماوات والأرض ورب كل شيء في هذه السماوات والأرض وما بينهما.
2- إن نوحا وإبراهيم ويوسف ويعقوب وسليمان وموسى وعيسى كانوا مسلمين، ومع ذلك فهم لم يعاصروا محمدا – صلى الله عليه وسلم – ولم يشهدوا برسالته ولم يصوموا رمضان، مما يجعلنا نجزم بأن الإسلام والمسلمين لا علاقة لهم بالرسالة المحمدية ولا بغيره من الرسل والأنبياء السابقين، بل ذلك مرتبط حصرا بالله ووحدانيته.
فكل من آمن بالله واليوم الآخر «وهي مسلمة» كان مسلما بغض النظر عن الرسول الذي يتبعه، وعن التسمية التي نطلقها عليه، وهذا واضح في قوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} البقرة 62.
من هذه الآيات وغيرها كثير، نفهم أن الإسلام يقوم على مسلمة بوجود الله، وباليوم الآخر، فإذا اقترنت هذه المسلمة بالإحسان والعمل الصالح، كان صاحبه مسلما، سواء أكان من أتباع محمد – صلى الله عليه وسلم – «الذين آمنوا» أو من أتباع موسى «الذين هادوا» أو من أنصار عيسى «النصارى» أو من أية ملة أخرى غير هذه الملل الثلاث مهما كان اسمهم «الصابئين».
2- أركان الإسلام:
بعد أن تعرفنا على الإسلام من واقع آيات التنزيل الحكيم، وفهمنا ما هو هذا الدين الذي لا يقبل الله من عباده غيره، وعرفنا أنه يقوم على ثلاث دعائم هي الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح ووجدنا ذلك كله واضحا في قوله تعالى: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين} فصلت 33.
ننتقل لنتساءل: ما هو هذا العمل الصالح الذي يشكل قاسما مشتركا بين جميع الأديان السماوية، والذي يستحق فاعله – أيا كان معتقده – اسم المسلم إن اقترن بالإيمان بالله واليوم الآخر؟ وما هي التعاليم العامة الشاملة التي جاءت في كل الكتب والرسالات، من نوح إلى محمد عليهما السلام، ناظمة ومبينة لهذا العمل الصالح؟ ونجد الجواب تفصيلا في قوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبى إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب} الشورى 13.
ونفهم أن هذه التعاليم التي بدأت بنوح هي وصايا {ما وصى به نوحا} وأن هذه الوصايا تنامت وتراكمت منتقلة من إبراهيم إلى موسى وعيسى وأنها لابد موجودة في الرسالة المحمدية الخاتم لقوله تعالى: {والذي أوحينا إليك}. وننظر في التنزيل الموحى، فنجد هذه الوصايا في سورة الأنعام بقوله تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون. ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون. وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} الأنعام 151، 152، 153.
ونفهم أن هذه هي الوصايا العشر التي نزلت فرقانا على موسى، وأنها الصراط المستقيم الذين ندعو الله في كل صلاة أن يهدينا إليه، والذين يقعد الشيطان العدو الظاهر والمخفي (المبين) عنده ليحول الناس عنه، وأنها الأركان الرئيسية للإسلام، والقاسم المشترك للناس جميعا، وأنها الكلمة السواء التي دعا الرسول أقوامهم إليها وأنها خضعت للتراكم بدءا من نوح وانتهاء بمحمد (صلى الله عليه وسلم).
فإذا نظرنا في هذه التعاليم والوصايا، وجدنا أنها تمثل فعلا المثل العليا الإنسانية، والقانون الأخلاقي الذي لا يستقيم مجتمع بدونه، وفهمنا أن الإسلام دين عام يشمل كل أهل الأرض، يقوم على الإيمان بالله واليوم الآخر أولا، وبأن لنا مراده تعالى في قوله: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} إذ كيف يقبل الله دينا هو غير موجود فيه، ويقوم على المثل العليا والقيم الإنسانية ثانيا، هذه هي القيم التي يمكن الإضافة إليها تحت باب الحكمة والتي لا تتوقف إلى يوم القيامة، ولكن لا يمكن إلغاؤها أو استبدالها، وتدخل في السلوك الإنساني الاجتماعي والأسري والاقتصادي، ومن خلالها يظهر العمل الصالح، وبدونها لا يوجد عمل صالح أو مجتمع صالح. ونفهم أخيرا أن الإسلام ليس دين الرسالة المحمدية فقط، بل دين جميع الرسالات والرسل والأنبياء، وأن المسلمين ليسوا أتباع محمد (صلى الله عليه وسلم) حصرا، كما هو سائد اليوم، بل هم كل من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا والتزم بصراط المثل العليا المستقيم، هذه المثل والقيم التي تدخل ضمن فطرة الإنسان ولا تحتاج إلى برهان عليها وتكمن قوتها أنها تحمل بيناتها في ذاتها وبنفس الوقت ليست قانونا موضوعيا يفرض نفسه منفصلا عن الوجود الإنساني الاجتماعي الواعى.
ومن هنا نقول أن الإسلام دين الفطرة الإنسانية طبقا لدلالة قوله تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون}. الروم 30، وهذا الدين الحنيف الذي فطر الله الناس عليه لا علاقة له بصوم رمضان أو بإقامة الصلاة حيث إن الإنسان يصوم رمضان ويقيم الصلاة بالتكليف لا بالفطرة. ثمة صفتان لهذه التعاليم والقيم والمثل العليا لابد من إيجازهما قبل ختم الحديث عن الإسلام وأركانه. الأولى أنها كل واحد متماسك لا يقبل التجزئة والتبعيض، وصراط واحد لا يقبل التقسيم، وهذا واضح في قوله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه}. والثانية أنها لا تخضع مفردة أو مجموعة للوسع والاستطاعة. فليس هناك إيمان بالله على قدر الوسع، ولا امتناع عن قتل النفس ضمن الاستطاعة.
فالقضية في أركان الإسلام والوصايا أشبه ما تكون بما يقال في الرياضيات: إما الصفر أو الواحد ولا توسط بينهما. نقول هذا ونحن نقرأ قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} آل عمران 102. أي أنه في الإسلام وأركانه المطلوب أن تتقي الله حق تقاته. فكل من يظن أن هذه الآية منسوخة فهو واهم.